Sunday, 19 October 2014

مستقبل الإصلاح السياسي في عمان - مقالة نشرت على موقع منبر الحرية

مقالة نشرت على موقع منبر الحرية
http://minbaralhurriyya.org/index.php/archives/8335

يمتلك التاريخ العماني رصيدا زاهرا من حركات النضال والتحرر والتي كانت تطالب على الدوام بحرية الشعب والديمقراطية وإيجاد صيغة توافقية لحكم الشعب، وقد تعددت أشكال هذه الحركات متنوعة بين حركات إسلامية وحركات يسارية وحركات ثورية وأحزاب سياسية معارضة خارج البلد ولكن جميعها كان يهدف نوعا ما إلى تغيير النظام السلطاني.
 وعندما نبحث عن الأسباب والتي دفعت العديد من الأفراد العمانيين إلى معارضة النظام السلطاني والعمل لمحاولة تغيير شكل النظام، فان هناك عدة عوامل كامنة وراء هذه الأسباب، فهناك عوامل اجتماعية وعوامل اقتصادية وعوامل سياسية وربما من منظور أكثر عمقا هي مسالة الحقوق والحريات.
وقد ظهر جليا في الأحداث التي شهدتها عمان في 2011 وما بعدها من حراك شبابي واعتصامات عامة وإضرابات فئوية ونشاط واسع في مواقع التواصل الاجتماعي أن الرغبة واضحة أيضا لدى الأجيال الحالية في انتزاع حقوقهم وبناء نظام ديمقراطي يضمن الحريات عبر دولة مدنية حديثة.
العوامل الاجتماعية:
إن المحرك للتاريخ الإنساني هو العوامل الاجتماعية عبر روابط تربط بين الفرد والجماعة ودائما فان أبطال التاريخ هم أفراد يضحون من أجل قضايا، والعامل الاجتماعي هو أهم عامل يحرك الأفراد للتضحية من اجل قضاياهم.
يعتقد الكثيرون أن المجتمع العماني يعيش برفاهية بفضل موارده الطبيعية (نفط وغاز) وعدد سكانه الصغير (أكثر من 2.2 مليون نسمة تقريبا) ومساحته (309 ألف كيلومتر مربع) ولكن الواقع ليس بذلك فهناك عدد كبير من العوائل ممن هم يكتفون بوجبة واحدة في اليوم، وهناك أيضا عامل اجتماعي مهم وهو سطوة القبيلة والطبقية رغم محاربة القانون الجديد لها ولكنها واضحة في الامتيازات الحكومية وتوزيع المناصب، فإذا كنت من قبيلة معروفة وكبيرة فحظوظك أفضل وسهلة.
ومن العوامل الاجتماعية المهمة أيضا هي طبيعة العادات والتقاليد العمانية والتي تحتاج إلى دراسة معمقة، فهي في الغالب مقيدة لحرية الفرد وتمنعه من حقه في التعبير وإبداء الرأي بحجة الطاعة وعدم مخالفة الكبار والباحث في الموضوع يجد أن هناك خلطا للمفاهيم، فكثير من المجالس يعتبروا أن إبداء الرأي من فرد من قبيلة ضعيفة أو لصغر سنه يعتبر هو من باب قلة الأدب وعدم الاحترام ويجب عليك الطاعة ولو كان الرأي خاطئا وعدم مناقشة الموضوع بتاتا.
ورغم اتجاه الحكومة المتأخر لاحتواء العدد الهائل من العاطلين عن العمل (أكثر من 153 ألف عاطل حسب إحصاء رسمي) بعد الاعتصامات الشعبية في فبراير 2011 عبر توظيف عدد منهم في الجهات العسكرية والأمنية وخصوصا قوات مكافحة الشغب، إلا أن المشكلة لم تحل نهائيا فما زال هناك عدد لم يحصل على فرصته وأيضا لا ننسى أعداد الأفراد الخريجين من التعليم العام أو الجامعة سنويا في غياب إستراتيجية واضحة اقتصادية واجتماعية قد تساهم في حل هذه المشكلة المؤثرة. والبطالة مرتبطة أساسا بعدم توفر فرص عمل والذي بالإمكان توفيرها عبر تحرير السوق وتسهيل الإجراءات التجارية وعمليات خصخصة مدروسة وتوفير أرضية اقتصادية تسهل عملية التبادل بكل حرية.
وكما أن التعليم لم يساهم إلى الآن في تطور البلاد وما زالت مخرجاته على حسب المؤشر الدولي أقل من المتوسطة، حيث ينتظر من التعليم أن يساهم في صناعة حضارة وأن تتمكن مخرجاته من المساهمة الفعلية في التنمية وتقليل الاعتماد على النفط، ورغم وجود خطة لإنشاء الجامعة الثانية في البلاد والتي من المقرر افتتاحها في عام 2020 فإننا ما نزال تحت رحمة جامعة واحدة وللأسف فان مركزها الدولي يعتبر ضعيفا حيث صنفتها منظمة كيو أس بين 500 إلى 550 عالميا رغم ميزانيتها الهائلة وهذا طبيعي لعدم استقلالها عن الحكومة وعدم وجود كفاءات دولية وغياب الدعم للأبحاث ووجود إدارة مترهلة.
وقد شهد القطاع الصحي مطالبات عديدة من المنتسبين إليه ومن المواطنين لتردي جودة الخدمة الصحية وعدم وجود رقابة وقانون محاسب للأخطاء الطبية ولذلك يلجأ الغالبية من العمانيين إلى الاقتراض من البنوك للسفر للخارج (غالبا تايلند) لتلقي العلاج.
وجميع هذه العوامل الاجتماعية عززت من السخط الشعبي وأدت إلى ظهور رغبات في تغيير نمط الحكم وشكل الحكم القائم على الفرد الواحد في ظل استجابة بطيئة وضعيفة للمطالبات بتحسين ظروف المعيشة.
العوامل الاقتصادية:
إذا تحدثنا هنا عن دخل الفرد السنوي فسنجد أنه كان لمدة طويلة جدا يعتبر ضعيفا مقارنة مع حجم الموارد الطبيعية والناتج المحلي وهذا لعدة أسباب منها قضية الاحتكار حيث من المعروف في عمان أن هناك فقط عشرة عائلات ممن يستحوذون على 90% من حجم التجارة في البلاد وهذا يرجع لقربهم من الحاكم، والقضية الأخرى هي أن الحكومة دأبت على إعطاء امتيازات خاصة لكل العاملين في الديوان وتوابعه والمكتب السلطاني والاستخبارات وهذا ما أدى إلى ظهور نوع من الطبقية والرغبة لدى العموم البسطاء الحالمين بحياة كريمة في العمل لخدمة السلطان عن طريق هذه الجهات.
والدولة الريعية تحظى دائما بحسن التقديم من طرف المدافعين عنها، ممن يجدون فيها مصالحهم الخاصة والشخصية فهذا يمكنهم من الحصول على كل ما يرغبون فيه دون أن يبذلوا أي جهد إبداعي فقط خدمة الحاكم وحماية نظامه حتى لو كان استبداديا.
ورغم صدور قانون الرقابة المالية في عام 2011 إلا أنه لم يتمكن من مكافحة الفساد فعليا في ظل غياب إستراتيجية وطنية لمكافحة الفساد والذي يتمثل في الرشاوي لتقديم المناقصات والواسطة في التوظيف والرشاوي أو تبادل الخدمة لتمرير المعاملات، وفساد إداري عميق جدا وكما وصف الوزير المسؤول عن شؤون الخارجية الحكومة بأنها مترهلة.
ورغم الدعايات الإعلامية الكثيرة عن دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. إلا أن الواقع يصطدم ببيروقراطية كبيرة جدا حيث تأخذ فترة لا تقل عن ثلاثة أشهر مع تلبية اشتراطات لثلاثة جهات على الأقل لفتح محل صغير جدا طبعا بدون واسطة ومعرفة، وحتى من ناحية المستثمرين من الخارج فإنهم يواجهون صعوبات وعراقيل جمة للاستثمار في عمان هذا مع إلزام وجود شريك عماني وغالبا الأسماء تكون متكررة.
ويعاني العمانيون من غياب واضح للشفافية في حجم وتوزيع الثروة الوطنية الذي تستحوذ عليه الدولة بالكامل بدون مشاركة شعبية، وتستحوذ الدفاع والأمن والديوان وتوابعهم على النصيب الأكبر من الميزانية السنوية للدولة كما تبينه الميزانيات السنوية التي تنشر علنا في الإعلام الحكومي.
العوامل السياسية:
في تعديلات عام 2011 منح السلطان مجلس الشورى وهو منتخب شعبيا صلاحيات في المرسوم السلطاني (99/2011) مادة (58) تغنى بها الإعلام على أنها صلاحيات تشريعية ورقابية ولكنها لم تخرج من دائرة تقديم الاقتراحات والتوصيات مع وجود ثغرات قانونية في صالح الحكومة والسلطة، وحيث أنه من الاسم لا يعد برلمانا شعبيا حقيقيا فهو مجرد مجلس صوري يقدم الشورى للسلطان.
لا يوجد منفذ آخر للمشاركة السياسية في صنع القرار، فصناعة القرار محصورة في يد السلطان وأتباعه فقط ويمنع بقوة النظام أي نشاط سياسي مهما كان شكله أو قوته، وينفرد السلطان في توليه ما يقارب من عشرة مناصب بنفسه بحجة أنها سيادية ويستحوذ من خلالها على جميع السلطات فهو رئيس الحكومة وهو رئيس المجلس الأعلى للقضاء وهو رئيس مجلس عمان ولكن الواقع أن الحكومة هي من تقوم بعمل كل شيء فهي تسن القوانين وتشرعها وتنفذها والقضاء ما زال أمامه مشوار طويل لكي يستقل رغم صعوبة الآمر أمام عطايا الديوان ومكرمات السلطان.
والمتابع للمشهد السياسي العماني الداخلي يجد أن الجهات الأمنية من المكتب السلطاني وجهاز الأمن الداخلي (الاستخبارات) صلاحيات واسعة ونفوذ قوي جعلتهم فوق القانون ولا يخضعون للمحاسبة والمراقبة وممارساتهم تعد قمعية في حق كرامة الإنسان ويعتبرو من أهم العوامل لتأخر تطور البلاد، فتدخلاتهم في جميع مفاصل الحياة للإنسان العماني تقيد من حرية الفرد وبالتالي لا إبداع ولا تطور.
الخلاصة:
نستخلص من جميع العوامل التي ذكرتها في الأعلى أنه لا يمكن أن تتطور البلاد إلا إذا شهدت إصلاحات سياسية حقيقية يشارك الشعب في صناعتها وبناء دولة مدنية تحتوي الجميع وتقوم على التعددية والقبول بالطرف الآخر، دولة الحق والقانون عبر وضع دستور تعاقديا يشرك الشعب في صياغته والاستفتاء عليه وفصل السلطات فصلا مرنا بين بعضها حيث يخضع الجميع للمراقبة والمحاسبة وقوانين تكفل الحريات الفردية وتضمن الحقوق، وإنشاء برلمان شعبي ذا سلطة تشريعية حقيقية يكون فيه للشعب كلمة ويسمح له بالمشاركة السياسية العامة، والسماح لمنظمات المجتمع المدني بالعمل باستقلالية ويسر، واعتبار الإنسان العماني هو الثروة الوطنية للدولة وليس النفط والموارد.

أي مستقبل لليبرالية بالعالم العربي؟ - مقالة نشرت على موقع منبر الحرية

مقالة نشرت على موقع منبر الحرية
http://minbaralhurriyya.org/index.php/archives/8383

الليبرالية باللاتينية وتعني حر، هي عبارة عن فلسفة سياسية وتصور عالمي تقوم على قيمتي الحرية والمساواة، وتقوم على الإيمان بالحرية الفردية القائمة على حرية الفكر والتسامح واحترام كرامة الإنسان وضمان حقوقه وحرية الاعتقاد والضمير وحرية التعبير والمساواة أمام القانون ولا يكون هناك دور للدولة في العلاقات الاجتماعية، فالدولة الليبرالية تقف على الحياد أمام تنوع واختلافات الأفراد ولا تتدخل فيها.
ولد المذهب الليبرالي في الظروف التاريخية التي عرفت صراعا بين مؤسسات وقيم الحرية الموروثة من العصور القديمة والعصر الوسيط وبين المغريات الاستبدادية التي سادت القرنين السادس عشر والسابع عشر، ظهر الجزء الأكبر من الأفكار الليبرالية في أوروبا منذ بدايات القرن السادس عشر ولكن القرن الثامن عشر شكل استثناء خصبا في إنتاج هذا الفكر، ولعب عدد من المفكرين التنويرين والمنظرين دورا كبيرا في وضع نظريات مثمرة مع الواقع الاجتماعي، والليبرالية لا تعترف بمرجعية مقدسة، فمرجعيتها هي في الفضاء الواسع من القيم التي تتمحور حول الإنسان وحريته وكرامته وفردانيته.
وقد حظي القرن السابع عشر والثامن عشر بالكثير من المفكرين والاقتصاديين اللذين شكلوا اللبنة الأولى لليبرالية وساهموا بأفكار تطورت حتى وقتنا هذا، فمنهم جون لوك 1632 – 1704 الذي ركز على فكرة التسامح وكان له دور كبير غير مباشر في الثورة الأمريكية، وجاء بعده جان جاك روسو الذي فصل فكرة العقد الاجتماعي وكتب فيها أشهر كتبه الذي سمى بالعقد الاجتماعي، وكانت أراءهم الليبرالية غير مرحب بها في وقتها.
ويعتبر مونتيسكو 1689 – 1755 من أهم مفكرين عصره فكان أشهر كتبه (روح القوانين) الذي قيل إنه تمت كتابته خلال 20 عاما. ومن أهم أفكاره التي كان يدعو إليها هي الحرية والتسامح وتوزيع السلطة والتحرر من الأفكار الرجعية المتحجرة وكان من أكبر المنظرين لفكرة الفصل في السلطات وقد دعا لإقامة نظام فيدرالي ومنه استلم مؤسسي الدولة الأمريكية نظامها الفيدرالي وفكرة فصل السلطات.
ويجدر ذكر مفكر عظيم آخر وهو فولتير 1694 – 1778 وهو كاتب فرنسي وفيلسوف وكتب الكثير من الكتب دعا خلالها للإصلاح السياسي والاجتماعي ودافع عن الدولة المدنية وهاجم التابوهات الدينية، ونجد أيضا أدم سميث 1723 – 1790 الفيلسوف والاقتصادي الاسكتلندي فيعد أول وأشهر من كتب عن السوق الحر والرأسمالية ويعتبر كتابه ثروة الأمم من أشهر مؤلفاته التي تحدث فيها عن أسباب الثروة ووضع ملامح لأفكاره الاقتصادية وتأثر بها الكثير من المفكرين الليبراليين، وبعد ذلك جاء جون إستيورات ميل 1806 – 1873 الفيلسوف الليبرالي الكلاسيكي والذي يعد من أكبر المفكرين الليبراليين المنظرين لمبدأ الفردية ويعد كتابه (عن الحرية) من أشهر كتبه.
إذا قامت الليبرالية لتصور عام عالمي يقوم على الحرية الشخصية للفرد وبذلك حصل التقدم والازدهار، الغرب كان يعيش في ظلام دامس كالظلام الذي تعيشه الدول العربية الآن من جهل وفقر وبطالة واستبداد وعبودية ومستهلكين بدون تبادل حقيقي ولكنه خرج للنور وصنع حضارة عبر إيمانه بحرية الفرد والتي ساهمت في إبداعه وبدون تدخل من الدولة أو أي سلطة ودون قيود أو تابوهات تحجر عليه فكره الواسع.
وليست الفلسفة الليبرالية أبلغ وصفا وتعريفا من الحرية، فهي كمذهب وفلسفة تتمحور حول هذه القيمة الإنسانية العليا، فهي وسيلة الأفراد للتقدم والتطور وصنع حضارة، وفي الحرية تكمن السعادة، فليس أنبل من أن يكون الإنسان حرا ينعم بالأمان ويتحرر من الخوف والقهر والظلم والاستبداد.
ما تمر به الدول العربية منذ عقود هي حالة شبيهة للعصور الوسطى المظلمة في أوروبا حيث حالة من الجمود الفكري والاستبداد السياسي بقوة الفتاوى الدينية والعسكر صنعت عبودية طوعية كتلك التي تحدث عنها لابويسيه في مقاله عن العبودية المختارة، مكونة لبيئة جامدة ترفض كل اختلاف ونقد أو فكرة جديدة مما قتل الإبداع وساهم في تأخر المجتمعات وجعلها مجتمعات استهلاكية معتمدة على ما يأتي من الخارج بدون أن تنمي نفسها وتلحق بركب الحضارة.
حاولت عدة حركات عربية وأشخاص مثل حزب الوفد وحزب الغد والدكتور محمد البرادعي والدكتورة هالة مصطفى وغيرهم في نشر الفكر الليبرالي وثقافته لكنها واجهت عوائق عديدة مرتبطة بممانعات تقليدية وغير تقليدية، فهناك ممانعة مرتبطة بالدين فيعتقد كثيرون أن الليبرالية من خلال فصلها للدين عن السياسة فهي أتت لمحاربة الدين الإسلامي ولكن الليبرالية أساسا تعتبر الحل الأمثل لتلافي الاختلافات العقائدية والدينية ولا تعادي الدين إنما تضعه في مكانه الصحيح وهو أن الدين علاقة فردية بين الفرد وربه وليس فرضا ومفهوما لتسيير دولة عبر علماء مجتهدين مصيبين ومخطئين، والليبرالية بالواقع تساهم في وضع تصور لدولة مدنية متجددة الأفكار دائما لا دينية ولا عسكرية، والاثنين هم أقوى دعائم الاستبداد والديكتاتورية في التاريخ لأي نظام وما الدول العربية إلا صورة واضحة لمعاني الطغيان والديكتاتورية.
يواجه الفرد في الدول العربية الكثير من العوائق والتي تعيق تطوره وإبداعه منها الظلم والاستبداد والكثير من العادات والثقافات والاختلافات الدينية والسياسية والتي تفرض عليه قيودا تمنعه من التحرك بحرية وتسمح له بالسباحة في فضاء الفكر الواسع مما قد تساهم في صناعة حضارة حقيقية، ولذلك لكي نخرج من النفق المظلم فلا يكفي أن نبني فقط ديمقراطية بحرية سياسية فقط بل أن نؤطرها بأطر قانونية ودستورية تتمحور حول الحرية الفردية ونرد للفرد اعتباره ومكانته المستحقة في صنع المستقبل.
فعملية التحول الديمقراطي التي نحتاجها في الدول العربية تحتاج لشروط ثقافية وفكرية ومجتمعية لإتمامها تشمل إلى جانب الحرية السياسية والاقتصادية حريات أساسية مثل حرية الفكر والإبداع والتعبير والعبادة واختيار نمط المعيشة والحق في العلم والمعرفة وفي التميز والاختلاف، وترسيخ مفهوم الحريات الفردية التي هي جوهر الحقوق وأساس مبادئ حقوق الإنسان العالمية.
المراجع:
كتاب الليبرالية لباسكال سلان.
كتاب أزمة الليبرالية العربية للدكتورة هالة مصطفى.
مجموعة مقالات لعدة كتاب منشورة على موقع منبر الحرية.

العالم العربي وتحديات الدولة المدنية - مقالة نشرت في صحيفة العرب اللندنية

مقالة نشرت في صحيفة العرب اللندنية
http://www.alarab.co.uk/?id=18291

بدأ الحديث عن الدولة المدنية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر قبل الثورة الفرنسية بسنوات قليلة، حيث كانت الدول الأوروبية تعيش وطأة الاستبداد وتواجه حروبا دينية بسبب تسلط الملوك وسطوة الكنيسة فكريا وثقافيا وعانى الشعب اجتماعيا بسبب الطبقية، فظهرت فكرة إيجاد دولة مدنية تكفل الحرية والمساواة عبر فلاسفة ومفكرين أسهموا كثيرا في صناعة قاعدة فكرية شعبية تعزز فكرة الدولة المدنية مثل لوك وهوبز وروسو وغيرهم.
يجمع الكثيرون على أن الدولة المدنية تكون دولة لا دينية ولا عسكرية، فإذا أدار الدولة رجل الدين عبر سلطاته الدينية ففرصة بروز الاستبداد كبيرة لأنه سيحدد خطابه الديني على أنه ممثل الله في الأرض وواجب طاعته وعدم مخالفة أوامره ومعارضته، خصوصا في مجال الدين القابل للاجتهادات الفردية والنقاش والاختلاف حولها. وهذا ما لا يتحقق مع الدولة المدنية التي تدعو إلى التعددية وقبول الطرف الآخر. فالدين ليس أداة للسياسة وتحقيق المصالح، والدولة المدنية ليست ضد الدين، ولكنه يظل في حياة الناس الخاصة فهو عامل بناء الأخلاق ودافع كبير لخلق الطاقة للعمل والتقدم.
ولكي يتم تأسيس الدولة المدنية فهناك عدة شروط ضرورية لقيامها، وهي أولا وجود قانون يحمي حريات وحقوق الأفراد وينظم العلاقات ويحفظها في إطار قانوني، وثانيا المواطنة التي تتعلق بتعريف الفرد الذي يعيش على أرض الدولة، وثالثا أن تقوم السلطة على التعددية وقبول الطرف الآخر والتسامح والمساواة، ورابعا الديمقراطية وهي وسيلة للحكم الرشيد وتفويض السلطة وطرق انتقالها لتحقيق الاتفاق العام.
المتابع لأحداث المسرح العربي يجد أن كلمة الدولة المدنية تتردد دائما عند بروز أية مطالبات شعبية، حيث تكون الدولة المدنية أحد أبرز أعمدة المطالبات، وقد أظهرت ثورات الربيع العربي وما تبعها من أحداث، الحاجة إلى قيام دولة مدنية حديثة تحتوي جميع الأطراف، وتضمن حقوق الشعب المسلوبة من قبل أنظمة متفردة بالسلطة والقرار، ورغم صعوبة تأسيس دول مدنية إلا أن الإرادة أخذت في الظهور لدى أجيال الشباب الفاعلة التي ستؤثر حتما على الأجيال القادمة.
فالتحديات القائمة أمام تأسيس دول مدنية، تبرز من خلال ضعف مستوى الوعي السياسي والثقافي، وبروز الخطاب الديني والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية العميقة، وحالة التشتت والفرقة والتشرذم بين أطياف المجتمع الواحد، ورغبة قوى شعبية -بخلفيات دينية أو قبلية أو حتى ليبرالية- في الاستئثار بالسلطة لظنها بأحقيتها بذلك.
فتردي المنظومة التعليمية وحصر الممارسة السياسية لفئة معينة، وغياب حراك سياسي وثقافي الذي تسببت فيه الأنظمة العربية على مدى عقود، ساهم في ضعف مستوى الوعي السياسي والثقافي وأدى إلى التبعية دون وجود فكر حر ينتج روحا نقدية تميز بين الحقيقة والخطأ، وبالتالي تتمكن من الحكم على الأمور وفق المنطق لا بالعاطفة والازدواجية ووفق أهواء السلطة العليا.
ومن أصعب التحديات المواجهة لتأسيس دولة مدنية في العالم العربي هو الخطاب الديني وتأثيره العميق على قطاع كبير من المجتمعات العربية، فبعد ثورات الربيع العربي برزت تيارات الإسلام السياسي والتي غالبا ما أخفقت في إدارة المرحلة الانتقالية واتسمت بالخطاب الديني الموجه للعاطفة.
وهناك تحديات على مستوى المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتعمقة في المجتمعات العربية بسبب سوء توزيع الثروة وغياب العدالة الاجتماعية واحتكار الأسواق والاقتصاد. إلى جانب حالة الفرقة والتشرذم بين أطياف المجتمع لغياب ثقافة الاختلاف والإيمان بالتعددية وقبول الطرف الآخر، فتجد أن هناك تفرقا بين المذاهب أو التوجهات السياسية وصل إلى التفرق بين أبناء المذهب الواحد أو التوجه السياسي الواحد.
ولا يجب أن نغفل أحد أهم التحديات القائمة وهي رغبة الدول الراعية للأنظمة العربية بالاستمرار على نفس النمط التقليدي من الاستبداد والجهل وذلك رغبة في الاستمرار في التحكم السهل بمفاتيح سياساتها واستغلال ثرواتها الطبيعية وتسويق منتجاتها وخصوصا الأسلحة.
رغم جميع التحديات التي يواجهها بناء الدولة المدنية في العالم العربي إلا أن هناك بصيصا من الأمل لا يجب أن تسمح الشعوب بإخماده مهما كانت التضحيات، وأن تستمر الحملات والمبادرات التنويرية لإثراء الفكر الحر وتحرير عقول أفراد المجتمع في العالم العربي لقيم الحرية والديمقراطية.

من أجل تفعيل العمل السياسي في عمان: نقد الحاكم في أدائه ليس اعابة في شخصه

مقالة نشرت في موقع المفكرة القانونية
http://www.legal-agenda.com/article.php?id=305&folder=articles&lang=ar

يتمحور العمل السياسي حول مبادئ إرساء العدالة والمساواة بين المواطنين وإظهار المشاكل الإجتماعية وحلها بالطرق السلمية العملية بغية التوجه بالوطن نحو مستقبل أفضل ينبذ التسلط والأنانية والفساد والإحتكار. في العقود الماضية القريبة تشوهت كثير من المفاهيم الخاصة بالعمل السياسي، في ظل سيادة ثقافة السعي لتحقيق "السعادة الفردية-الاستهلاكية" بأي ثمن. صار "الذكاء" يتمثل بالابتعاد عن "وجع الرأس" و"المشاكل"، أي عن الشأن العام، وبمحاولة إيجاد فقاعة آمنة يمكن أن يحمي المرء نفسه فيها من انعكاسات الشأن العام عليه شخصيا. ولا شك أن الأنظمة العربية المعنية بإبعاد أوسع قطاعات الشباب عن الشأن السياسي، بكافة وسائل الترغيب والترهيب- حتى وهي تتحدث عن "التنمية السياسية" - هي من أول الجهات المعنية بتوسيع تلك الحالة من الجهل والتجهيل بين الشباب، لأن من ينغمس في الشأن الفردي لا يعارض السياسات الحكومية ولا يسأل عن الفساد والمال العام، ولا عن موارد الدولة، أي موارد الشعب، ولا عن التفريط بالقضايا الوطنية والقومية الكبرى، قضايانا، قضايا الأمة. وأفضل الظروف بالنسبة لأي نظام قمعي أو مستبد هي بالضرورة تلك التي لا يضطر فيها النظام لقمع معارضيه وقوى المجتمع الحية؛ وهذا ما يتحقق إذا تمكن من ايجاد أجواء يعزف فيها الناس عن العناية بشأنهم العام، وصولا إلى تدمير الوعي العام برمته.
والمشاركة السياسية هو مبدأ ديمقراطي تقوم عليه الدول المدنية الحديثة، مبدأ يتم التمييز فيه بين الدول المدنية الحديثة التي تقوم على المواطنة والمساواة والعدالة والدول الشمولية التي تقوم على الإحتكار. والمشاركة السياسية لا يمكن أن تتم إلا تحت مظلة النظام الديمقراطي، الديمقراطية التي يسود فيها القانون، والمشاركة السياسية تعني مساهمة المواطنين بقصد التأثير في عملية صنع القرار الرسمي، وهو فعل تطوعي، وهناك نوعان نوع تقليدي كالتصويت في الإنتخابات والمشاركة في مؤتمرات وطنية وتقلد المناصب السياسية والإنضمام إلى أحزاب أو جماعات، والنوع الآخر غير تقليدي ويظهر أكثر في الدول غير المدنية التي تعاني عادة من غياب قنوات التعبير الشرعي مثل عدم وجود أحزاب سياسية أو ضعف دور النقابات العمالية واستمرارية ملاحقة الدول للسياسيين المعارضين وغيرها.
وتكمن أهمية المشاركة السياسية بأن الإنسان النشط المشارك إنسان إيجابي بالطبع ويتسم بوعي وبصيرة وزخم فكري والمشاركة تنمي الإحساس باحترام النفس وتنهض بالوعي السياسي وبالنسبة للقائمين على الحكم فإنها تنبههم إلى ما عليهم من واجبات قبل الوطن والمواطنين وتدفع بالحكام للنظر لمطالب شعوبهم والعمل على إقرار العدل والسلام الاجتماعي والتوافق الطبقي والعرقي إضافة إلى إقرار عدالة توزيع الدخل القومي.
ومن الصور الطبيعية للمشاركة السياسية غير التقليدية هوإنتقاد أداء السلطات من الجانب الشعبي كما قمنا بعمله في عمان خلال السنوات الأخيرة. والناشط أو الناقد يقوم على إنتقاد الأداء العملي للموظف الرسمي بدون التدخل في الحياة الشخصية للموظف السياسي وإلى ضرورة الفصل بين شخص الحاكم أو رئيس الوزراء عن عمله وأن الحاكم طالما كان هو المتحكم الوحيد بطريقة غير دستورية في مصير الشعب ومقدراته فلا بد من إنتقاده وهذا حق شرعي للشعب لحماية ثرواته وتأمين مستقبله والقدرة على المشاركة السياسية في ظل غياب القنوات الشرعية له، وحين يستخدم الناشط مصطلحات يشكك فيها بمصداقية عمل الحكومة أو ضعف قرارات الحاكم فلا بد من إعتبارها لتوجيه العمل الوطني والنهوض به وعدم إعتبار نقد الحاكم عملا شخصيا كإعابة شخصه.
من المشاكل التي نواجهها في القوانين والمفاهيم المتعلقة في أذهان العديدين هي إزدواجية عمل الحاكم مع شخصه، فأي إنتقاد لعمله وأداءه وقراراته تعتبر وكأنه إعابة في شخصه أو تطاول على ذاته، وهذا في ظل تحكم الحاكم بعدد كبير من المناصب السيادية التي تمس الحياة اليومية للمواطن والتي تقرر الإستراتيجية التي يقوم بها الوطن، وعليه قامت الحكومات الخليجية بملاحقة النشطاء والمعارضيين لإنتقادهم أداء حكامهم ومعاقبتهم بتهمة إعابة ذات الحاكم.
يجب علينا أن نفرق بين الإنتقاد السياسي البناء على عمل وأداء الحاكم وبين شخصه وهذا يتم أولا بضرورة الفصل بين سلطات الحاكم نفسه، وتعديل القوانين التي لا تفرق في ذلك والمبهمة في توضيح ماهية الإنتقاد والإعابة
.

صلاحيات مجلس الشورى العماني بين الحقيقة والخيال

مقالة نشرت في صحيفة الوطن الجزائرية
http://www.elwatandz.com/watanarabi/7622.html

المجالس الشعبية إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني وجماعات الضغط الشعبي هي التي تعتبر النافذة الرسمية للشعب للتواجد في الحياة السياسية لدى أي دولة متقدمة, والدول المتقدمة هي الدول التي بها نسبة الحريات والمشاركة السياسية للشعوب عالية وبذلك يتمكن الشعب بنفسه من مراقبة ثرواته ومقدراته وتشريع قوانينه وتحديد إستراتيجيته للمستقبل.
وخلافا لما ذكر بالأعلى فإن المجلس الشعبي له دور كبير في تحديد تقدم الدولة من عدمها, وأيضا دور دقيق جدا في الحد من تسلط سلطة واحدة بجميع مفاصل الدولة بكل أركانها وسلطاتها, فتجد من الطبيعي جدا في دول العالم الثالث كحال بلدنا أن تقوم السلطة بإختراق جسده, وتفصيل صلاحياته حسب ما يريدون بدون الإضرار بأي مصلحة خاصة لهم. فتأتي السلطة العليا وتقول لشعوبها أن هذا المجلس هو مجلسكم بدون التدخل في أي قرار إستراتيجي يخص الوطن أو بدون مراقبة أهم مفاصل الدولة, ويتم غسل أدمغة الشعوب النامية أن هذه النوعية من المجالس هي التي توفر الأمن والأمان وهي تمثل المثل العليا للديمقراطية والتي لن تشاهدون لها مثيل في أي دولة بالعالم أجمع.
مجلس الشورى العماني فتح نوره للحياة السياسية العمانية كمجلس إستشاري معين بالكامل وبعد سنين طويلة ومطالبات شعبية تم منح الشعب مجلس شورى منتخب بالكامل على أساس إنتخابي مقسم حسب الولايات وعدد سكانها لتوزيع التمثيل السكاني بشكل عادل في المجلس ولكنه كان معدوما في صلاحياته, فأقصى ما يملكه كان رفع رسالة توصية لموضوع يخص البلديات أو التنمية المحلية. وبعد أحداث الربيع العماني بشهر فبراير 2011 والمطالبات الشعبية بمنح مجلس الشورى صلاحيات تشريعية ورقابية كاملة, أتت الصلاحيات فقيرة نسبيا وعلى عكس ما طالب به الأغلبية من الشعب, ولكنها أفضل عن الوضع السابق من حيث القدرة على مسائلة الوزارات المسماة بالخدمية في مشاريعها وخططها التنموية بدون التدخل في سياستها الإستراتيجية.
لا يختلف عاقلان أن الصلاحيات الجديدة الممنوحة لمجلس الشورى لا ترقى إلى تطلعات الشعب العماني بأجياله الجديدة وكأنها مولود مشوه,
 
"فأتى الشورى رغم صلاحياته، إلا أنه كالمولود المشوّه، إن أراد المشي لم يستطع لعوجٍ خلقي في إحدى ساقية! وإن أراد أن يُشير بيديه ويقبض ويكتب لم يستطع، لعدم استقامة الذراع وخلل في عدد الأصابع، وإن أراد أن ينطق، أتى الصوت مموّجا باختلاف واضطراب واستحياء وألم، فلا تفقه حرفا ولا تنال علما ولا تصل لحقيقة! فيكتم الحزن وويعترض على الظلم،في قلبه كأضعف الإيمان!" من مقالة للمدون والكاتب نبهان الحنشي.
وقد تربط السلطة عبر إعلامها الموجه أن الصلاحيات الممنوحة هي تدريجية بالسنين ومرتبطة على حسب ثقافة الإنتخاب, وهنا جدير بالذكر أن الصلاحيات هي التي توفر هذه الضمانات من حيث أن الشعب يعي أن صلاحية الشورى تمكنه من مسائلة جميع الوزارات وسن التشريعات والقوانين ومراقبة المال العام وبالتالي سيضطر الشعب إلى إنتخاب العضو الصحيح بنسبة 65% وهي أكثر من كافية, ومع ثورات الربيع العربي المباركة والتي ساهمت إلى حد كبير في تكوين الفكر السياسي والثقافي لدى جل الأجيال الحالية والقادمة وهذا سيساهم فعليا في وضع الأطر الصحية للإنتخابات بعيدا عن أي خلفية عائلية أو قبلية أو مذهبية أو مالية.
 
"الشورى صوت الشعب ورأيه وطريقه وعينه وأذنه.. وقوّته من قوّة الشعب، وأهميته من أهمية الشعب" نبهان الحنشي, 
فلنتمسك بقوتنا الشعبية الوحيدة وندافع عنها ونصححها فمجلس الشورى هو ملكية خاصة مسجلة بإسم الشعب العماني, وهو يمثل الصورة المعبرة عن حالة الديمقراطية الحقيقية التي وصل إليها الوطن, وهذا ما يدفعنا دوما لإنتزاع المزيد من الصلاحيات الحقيقية لهذا المجلس وبالتالي سيوفر ضمانة حقيقية للوطن بمشاركة الشعب في كل ما يخصه والتفكير في الإنتاج العلمي والصناعي ودفع عجلة التعليم وفتح الوطن للدخول في مستقبل واعد.
 
 
 
 

سلطنة عمان 26 فبراير المجيد

مقالة نشرت في صحيفة الوطن الجزائرية
ربما لا أنتمي إلى فئة المثقفين أو ربما لا أجيد الكتابة كثيرا, ولكن تكويني السياسي نابع أولا من البيئة التي عشتها حيث أن والدي من المتابعين للأخبار العالمية طوال الوقت ويقوم بتحليل الأحداث بناء على سماعه للأخبار ومن ثم مع إنتفاضة الدرة وقضية المشائخ وإنتفاضة غزة والأزمة الإقتصادية العالمية وطبعا لا ننسى منتدى سبلة العرب الذي ساهم إلى حد كبير في تكوين فكرنا السياسي ومنحنا الفرصة للإطلاع على أوضاعنا المحلية والتي تكون مغايرة في الإعلام الحكومي.
 
مع بداية الثورة التونسية المباركة ومن ثم المسيرة الخضراء الأولى بمسقط وثورة 25 يناير المصرية المباركة  وتبعها المسيرة الخضراء الثانية بمسقط ومسيرة نداء الخير بصلالة 25 فبراير كانت هناك إشارات عديدة إلى حصول شيء ما.
بما إني كنت من المتابعين القريبين جدا للربيع العماني الشبابي المبارك الذي ساهم في حد كبير إلى تغيير البوصلة السياسية والثقافية والإجتماعية بالدولة بإعتراف الجميع, فسأحاول سطر بعض اللمحات التي ربما لن تمنح يوم 26 فبراير المجيد حقه.
كنت أعمل حينذاك بشركة صحار ألمنيوم الكائنة في منطقة صحار الصناعية, وقد وصلتني الأخبار عبر زملائي أن عددا كبيرا من الشباب العاطلين عن العمل الذين كانوا يجتمعون بإستمرار منذ عدة أشهر مع المديرية العامة للقوى العاملة بصحار لمطالبتهم بالتوظيف وخصوصا في ظل إزدياد عدد المشاريع العملاقة المنشئة في ميناء صحار وكانوا كأبناء للمنطقة يرون أنهم قد هضم حقهم الطبيعي في الحصول على أولوية للعمل في هذه المشاريع.
توالت الأخبار عن تدهور الوضع وقيامهم بقطع الدوار الرئيسي لمدينة صحار بعد الخطأ الكبير من المدير العام للقوى العاملة بصحار وقائد شرطة شمال الباطنة ووالي صحار الذين فشلا في إحتواء الموقف مما فجر المشهد, وخلال الساعات الأولى من صبيحة اليوم التالي مع إعتصام مجموعة لا تزيد عن 50 شخصا في الدوار هاجمت قوة كبيرة لمكافحة الشغب الدوار وقامت بإعتقال الجميع وضربهم ضربا مبرحا ونقلهم مباشرة إلى سجن سمائل, وقد إنتشر الخبر في صبيحة اليوم التالي إلى جميع الناس مما أدى إلى رجوع مجموعة من رفقاء الشباب المقبوض عليهم لمركز شرطة صحار للسؤال عن أصحابهم, وهنا حدث الخطأ الثاني الذي زاد الموقف تأزما فتم رفضهم وطردهم من المركز مما أخذ الشباب إلى الهجوم على مركز الشرطة الذي كان ممتلئا بأفراد مكافحة الشغب, وخلال المواجهات سالت الدماء الطاهرة العمانية على هذه الأرض الطيبة معلنة أول شهيد للربيع العماني المبارك, ويعتبر سقوط الشهيد هو نقطة تحول القوة إلى صف الشباب حيث أن مشهد فيديو سقوط الشهيد الغملاسي إنتشر كالنار على الهشيم بين الجميع وما هي إلا ساعات حتى تجمع الآلاف من جميع المناطق القريبة لنصرة أخوانهم والمطالبة بالإفراج عنهم, ومع بداية الليل إنسحب الأمن من منطقة شمال الباطنة تماما في ظل إشتداد المواجهات بين آلاف من الشباب الغاضبين وقوات شرطة مكافحة الشغب. وفي نفس الوقت خرجت مجموعة من الشباب في مسقط وتجمعت أمام مجلس الشورى غضبا من ما حدث في صحار.
طبعا مع حضور وفد حكومي عالي المستوى إلى صحار للحوار مع الشباب بدأت تتشكل ملامح القوة الشبابية وأيضا طبيعة المطالبات الشعبية, فنجدها في صحار كانت المطالبات الإقتصادية هي الغالبة بينما في ساحة الشعب كانت المطالب السياسية والإجتماعية هي الأغلب.
لم أكن قريبا جدا من المشاركة في التنظيم العملي لميدان الإصلاح بصحار أو ساحة الشعب بمسقط ولكني كنت أجد نفسي يوميا حاضرا إما هنا أو هناك, ربما القدر كان يسوقني لكي يجهزني لما هو أهم وهو الإستمرار في طلب الإصلاح والحقوق.
كنت دائما وما زلت أرى أن الإصلاح يبدأ من خلال الشعب قبل السلطة مع المسئولية الكاملة من قبل السلطة لفعل ذلك وتمكينه عمليا, فهي علاقة متوازية بين الطرفين. فلذلك حاولت المساهمة من خلال مواقع التواصل الإجتماعي في توضيح أهمية ثقافة الحقوق ونشر التحليلات الفكرية والآراء الخاصة بي لما هو يدور حولي بشكل كامل, ومع الأيام إكتسبت جرأة وشجاعة مكنتني من بناء الإنتقادات الصحيحة حول جوهر أداء عمل السلطات وفق منظور بسيط يفهم شعبيا. أتفق مع الجميع أن الإصلاح هو شخصي ومجتمعي ولكن بنظري أن السلطات لها مسئولية كبيرة بما تملك من إمكانيات وقدرات على جعل الإصلاح أسهل وقابل للتنفيذ.
في عمان هناك مجموعة من العوامل السياسية والإجتماعية التي تحتم علينا التفكير جديا في طبيعة المطالبات ولكننا لسنا من تمشي عليه كذبة ما قبل السبعين وما بعده, ولا نلوم الأجيال التي سبقتنا فكانوا يعيشون في ظلام كحال بقية الشعوب المجاورة وجأة ظهر النفط وساهم مساهمة كبيرة في عمل نقلة نوعية لتلك الأجيال ولكن الأجيال الحالية لا تفهم ذلك فهم يطلعون على العالم من خلال كف اليد ويعلمون كل ما يجري في أنحاء العالم ويرون كيف أن الدول المتقدمة ومن غير موارد طبيعية يعيشون في جو تسوده العدالة والحريات.
مع مرور الوقت تشكلت لدينا ملامح الطريق الذي يجب أن نمشي عليه من خلال المطالبة الفعلية عبر خطوات عملية للفصل الحقيقي بين السلطات وإنتخاب رئيس للوزراء ومنح مجلس الشورى سلطات فعلية للتشريع والرقابة على السلطة التنفيذية والتوزيع العادل للثروة الوطنية عبر أسس عادلة وإصلاح التعليم الذي يعتبر أساس الإنطلاق نحو المستقبل مع الإستمرار في المطالبة بتعديل جميع القوانين المقيدة للحريات والمنتهكة لحقوق الإنسان.
ما زال الطريق طويلا ولكننا ندين بعد فضل الله سبحانه إلى تاريخ 26 فبراير المجيد نقطة التحول التاريخية في مسار الشعب العماني, والذي تم إستجوابي العام الفائت في الإدعاء العام لأني طالبت بجعله يوما وطنيا نحتفل فيه بهذا اليوم المبارك والذي إنطلقنا منه نحو حلم جميل وهو “عمان الجديدة”.

الأمن والأمان بين الفزاعة والمفهوم

مقالة نشرت في صحيفة الوطن الجزائرية
http://www.elwatandz.com/politique/11543.html

قامت الأنظمة العربية على مدى سنين طويلة وعبر ترسانتها الإعلامية التابعة لها بغرس تعريف الأمن والأمان في عقول الناس وربطه بشكل مباشر وغير مباشر بالأمن القومي وإستقرار البلاد دون توضيح فعلي حقيقي، وبعد بروز ثورات الربيع العربي والتي أطاحت بعدد من الأنظمة العربية البوليسية أضحت الدول العربية وخصوصا الملكية خائفة من المد الثوري أن يصل إليها فقامت بالتمسك بهذا التعريف بقوة ونشره عبر الإعلام كثيرا.. فماذا يدل أساسا مفهوم الأمن والأمان؟ وماذا تقصد به الأنظمة العربية وتجعل منها كلمة تردد بشكل يومي في الإعلام الحكومي؟ هل هي مربوطة ببقاء الأنظمة؟ هل هي محاولة لإبتزاز شعوبهم؟ كيف ساهمت هذه الفزاعة برفع نسب البطالة وسوء الوضع الإقتصادي وتردي مستوى مخرجات التعليم؟ دأبت الحكومات العربية البائدة والحالية على ذكر الأمن والأمان دوما في إعلامهم كأهم إنجاز قامت به وتدل عليه بحالة السلم والإستقرار الذي تعيشه البلد، فإذا ما قامت مظاهرة أو حصلت إحتجاجات شعبية مطالبة بالحقوق والحرية تبدأ الحكومة بذكر أن مثل هذه المظاهرات والإحتجاجات يقوضان الأمن والأمان في البلاد، وقد وصل الأمر إلى حد أن أجيالا كاملة لا تخطو خطوة خوفا من فقدان نعمة الأمن والأمان على حساب حقوقها وحرياتها... أجيال كاملة سلبت حقوقها ونهبت ثرواتها وكبتت حرياتها
خوفا من فقدان الأمن والأمان الذي تتغنى به الحكومات العربية ((الفزاعة)). نعم إنها فزاعة تشهر بها الحكومات العربية لتمكن نفسها من البقاء طويلا في سدة الحكم دونما إزعاج، فزاعة إستخدمت لنهب ثروات الوطن وكبت الحريات في أمن وأمان من الشعب، فزاعة نجحت أنظمة عربية في غرسها في عقول أجيال ((بدون وجود النظام يفقد الشعوب الأمن والأمان)). وقد ساهمت الحكومات في جعل الوضع واقعيا عبر منع الممارسة السياسية ومنع الفكر الحر مع غياب حقيقي لتعليم حديث يغرس البحث والتساؤل وبالتالي غياب الوعي السياسي والحقوقي، فأصبح الوضع فاعلا أنه إذا هدد النظام فإن الشعب سيخسر الأمن والأمن لتعم الفوضى والخراب.. فزاعة إستخدمت كوسيلة لإبتزاز الشعوب العربية لعدم الحديث عن حقوقهم وحرياتهم، فالسكوت والسكون مقابل الأمن والأمان والمطالبة بالحقوق والحريات مقابل الفوضى والخراب.. إذا ما نظرنا إلى مجتمعات ودول متقدمة لوجدنا أن الأمن والأمان هو حدث تلقائي يأتي بعد ضمان الحقوق وتعزيز الحريات.. لأن الأمن والأمان أساسا مفهوم شامل لعدة جوانب سياسية وإقتصادية وإجتماعية يكون بتنمية البشر وتطوير قدراتهم، يكون بضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة عبر تعليم متطور وفرص وظيفية وحياة إجتماعية كريمة... ألم يكفي الإبتزاز وحان موعد العمل من أجل الشعوب وإعطاء الحقوق والحريات أو إنتزعتها الشعوب بأجيالها الجديدة الطامحة لبناء حضارة والركوب في سفينة الحداثة؟؟ ألم يحن الآوان لتحطيم هذه الفزاعة المغروسة في عقولنا؟؟!